فصل: الخبر عن منازلة بجاية وما دعا إليها

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن مهلك يغمراسن بن زيان وولاية ابنه عثمان

وما كان فى دولته من الأحداث كان السلطان يغمراسن قد خرج من تلمسان سنة إحدى وثمانين واستعمل عليها ابنه عثمان وتوغل في بلاد مغراوة وملك ضواحيهم‏.‏ونزل له ثابت بن منديل عن مدينة تنس فتناولها من يده‏.‏ثم بلغه الخبر بإقبال أخيه أبي عامر برهوم من تونس بابنة السلطان أبي إسحاق عرس ابنه فتلوم فنالك إلى أن لحقه بظاهو مليانة فارتحل إلى تلمسان وأصابه الوجع في طريقه‏.‏وعندما احتل شربويه اشتد به وجعه فهلك هنالك آخر ذي القعدة من سنته‏.‏والبقاء له وحده‏.‏فحمله ابنه أبو عامر على أعواده وواراه في خدر مورياً بمرضه إلى أن تجاوز بلاد مغراوة إلى سيك‏.‏ثم أغذ السير إلى تلمسان فلقيه أخوه عثمان بن يغمراسن ولي عهد أبيه في قومه فبايعه الناس وأعطوه صفقة أيمانهم‏.‏ثم دخل إلى تلمسان فبايعه العامة والخاصة‏.‏وخاطب لحينه الخليفه بتونس أبا إسحاق وبعت إليه ببيعته فراجعه بالقبول وعقد له على عمله على الرسم‏.‏ثم خاطب يعقوب ين عبد الحق يطلب منه السلم لما كان أبوه يغمراسن أوصاه به‏.‏حدثنا شيخنا العلامة أبو عبد الله محمد بن إبواهيم الآبلي قال‏:‏ سمعت من السلطان أبو حمو موسى بن عثمان وكان قهرماناً بداره قال‏:‏ أوصى دادا يغمراسن لدادا عثمان - ودادا حرف كناية عن غاية التعظيم بلغتهم - فقال له يا بني إن بني مرين بعد استفحال ملكهم واستيلائهم على الأعمال الغربية وعلى حضرة الخلافة بمراكش لا طاقة لنا بلقائهم إذا جمعوا لوفود مددهم ولا يمكنني أنا القعود عن لقائهم لمعرة النكوص عن القرن التي أنت بعيد عنها‏.‏فإياك واعتماد لقائهم وعليك باللياذ بالجدران متى دلفوا إليك وحاول ما استطعت في الاستيلاء على ما جاورك من عمالات الموحدين وممالكهم يستفحل به ملكك وتكافىء حشد العدو بحشدك‏.‏ولعلك تصير بعض الثغور الشرقية معقلاً لذخيرتك‏.‏فعلقت وصية الشيخ بقلبه واعتقد عليها ضمائره وجنح إلى السلم مع بني مرين ليفرغ عزمه لذلك‏.‏وأوفد أخاه محمد بن يغمراسن على يعقوب بن عبد الحق بمكانه من العدوة الأندلسية في إجازته الرابعة إليها فخاض إليه البحر ووصله باركش فلقاه براً وكرامة وعقد له من السلم ما أحب‏.‏وانكفأ راجعا إلى أخيه فطابت نفسه وفرغ لافتتاح البلاد الشرقية كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن شأن عثمان بن يغمراسن مع مغراوة وبني توجين وغلبه على معاقلهم والكثير من أعمالهم

لما عقد عثمان بن يغمراسن السلم مع يعقوب بن عبد الحق صرف وجهه إلى الأعمال الشرقية من بلاد توجين ومغراوة وما وراءها من عمل الموحدين فتغلب أولاً ضواحي بني توجين ودوخ قاصيتها وصار إلى بلاد مغراوة كذلك ثم إلى متيجة فانتسق نعمها وخطم زروعها‏.‏ثم تجاوز إلى بجاية فحاصرها كما نذكره بعد‏.‏وامتنعت فليه وانكفأ راجعاً في طريقه بمازونة فحاصرها وأطاعته وذلك سنة ست وثمانين‏.‏و له ثابت بن منديل أمير مغراوة عن تنس فاستولى عليها وانتظم سائر بلاد مغراوة أيالته‏.‏ثم عطف في سنته على بلاد توجين فاكتسح حبوبها واحتكرها بمازونة استعداداً لما يتوقع من حصار مغراوة إياها‏.‏ثم دلف إلى تافر كنيت فحاصرها وأخذ بمخنقها‏.‏وداخل قائدها غالباً الخصي من موالي محمد بن عبد القوي كان مولى سيد الناس منهم فنزل له غالب عنها واستولى عليها واكفأ إلى تلمسان‏.‏ثم نهض إلى بلاد توجين سنة سبع وثمانين فغلبهم على وانشريش مثوى ملكهم ومنبت عزهم وفر أميرهم مولى بني‏.‏زرارة من ولد محمد بن عبد القوي‏.‏وأخذ الحلف منهم فدمواحي المدية في الأعشار وأولاد عزيز من قومه‏.‏واتبع عثمان بن يغمراسن آثار وشزدهم عن تلك الضاحية‏.‏وهلك مولى زرارة في مفره‏.‏وكان عثمان قبل ذلك قد دوخ بلاد بني يدللتين من بني توجين ونازل رؤساءهم أولاد سلامة بالقلعة المنسوبة إليهم مرات فامتنعوا عليه ثم أعطوه أيديهم على الطاعة ومفارقة قومهم بني توجين إلى سلطان بني يغمراسن فنبذوا العهد إلى بني محمد بن عبد القوي أمرائهم منذ العهد الأول‏.‏ووصلوا أيديهم بعثمان وألزموا رعاياهم وأعمالهم المغارم له إلى أن وصارت بلاد بني توجين كلها من عمله واستعمل الحشم بجبل وانشريش‏.‏ثم نهض بعدها إلى المدية وبها أولاد عزيز من توجين فنازلها وقام بدعوته فيها قبائل من صنهاجة يعرفون بلمدية وإليهم تنسب فأمكنوه منها سنة ثمان وثمانين وبقيت في إيالته سبعة أشهرة ثم انتقضت عليه‏.‏وزحف إلى إيالة أولاد عزيز وصالحوه عليها وأعطوه من الطاعة ما كانوا يعطونه لمحمد بن عبد القوي وبنيه فاستقام أمره في بني توجين ودانت له سائر أعمالهم‏.‏ثم خرج سنة تسع وثمانين إلى بلاد مغراوة لما كانوا ألبًا عليه لبني مرين في إحدى حركاتهم على تلمسان فدوخها وأنزل ابنه أبا حمو بشلف مركز عملهم فأقام به وقفل هو إلى الحضرة‏.‏وتحيز فل مغراوة إلى نواحي متيجة وعليهم ثابت بن منديل أميرهم فلم يزالوا بها‏.‏ونهض عثمان إليهم سنة ثلاث وتسعين من بعدها فانحجزوا بمدينة برشك وحاصرهم بها أربعين يوما ثم افتتحها‏.‏وخاض ثابت بن منديل البحر إلى المغرب فنزل على يوسف بن يعقوب كما ذكرناه ونذكره‏.‏واستولى عثمان على سائر عمل مغراوة كما استولى على عمل توجين فانتظم بلاد المغرب الأوسط كلها وبلاد زناتة الأولى ثم شغل بفتنة بني مرين كما نذكره بعد‏.‏والملك لله وحده‏.‏

  الخبر عن منازلة بجاية وما دعا إليها

قد ذكرنا أن المولى أبا زكريا الأوسط ابن السلطان أبي إسحاق من بني أبي حفص لحق بتلمسان عند فراره من بجاية أمام شيعة الدعي ابن أبي عمارة ونزل على عثمان بن يغمراسن خير نزل‏.‏ثم هلك الدعي ابن أبي عمارة واستقل عمه الأمير أبو حفص بالخلافة وبعث إليه عثمان بن يغمراسن بطاعته على العادة وأوفد عليه وجوه قومه ودس الكثير من أهل بجاية إلى المولى أبي زكريا يستحثونه للقدوم ويعدونه إسلام البلد إليه‏.‏وفاوض عثمان بن يغمراسن في ذلك فأبى عليه فألحق البيعة بعمه الخليفة بالحضرة فطوى عنه الخبر وتردد في القبض أيامًا‏.‏ثم لحق بأحياء زغبة في مجالاتهم بالقفر ونزل على داود بن هلال بن عطاف‏.‏وطلب عثمان بن يغمراسن من داود إسلامه فأبى عليه وارتحل معه إلى أعمال بجاية ونزلوا إلى أحياء الدواودة كما قدمناه‏.‏ثم استولى المولى أبو زكريا بعد ذلك على بجاية في خبر طويل قد ذكرناه في أخباره‏.‏واستحكمت القطيعة بينه وبين عثمان وكانت سببًا لاستحكام الموالاة بين عثمان وبين الخليفة بتونس‏.‏فلما زحف إلى عمل مغراوة سنة ست وثمانين وتوغل في قاصية المشرق أعمل الرحلة إلى عمل بجاية ودوخ سائر أقطارها‏.‏ثم نازلها من بعد ذلك يروم كيدها بالاعتمال في مرضاة الخليفة بتونس ويسر بذلك حسوًا في ارتغاء فأناخ عليها بعساكره سبعًا ثم أفرج عنها منقلبًا إلى المغرب الأوسط فكان من فتح مازونة وتافركنيت ما قدمناه‏.‏

  الخبر عن معاودة الفتنة مع بني مرين وشأن تلمسان في الحصار الطويل

لما هلك يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين على السلم المنعقدة بينه وبين بني عبد الواد لشغله بالجهاد وقام بالأمر من بعده في قومه ابنه يوسف كبير ولده على حين أتبعهم أنفسهم شأن الجهاد‏.‏وأسفهم يغمراسن وابنه بممالاة الطاغية وابن الأحمر يوسف السلم مع الطاغية لحينه ونزل لابن الأحمر عن ثغور الأندلس التي كانت لهم وفرغ لحرب بني عبد الواد واستتب له ذلك لأربع من مهلك أبيه دلف إلى تلمسان سنة تسع وثمانين ولاذ منه عثمان بالأسوار فنازلها أربعين صباحًا وقطع شجراءها ونصب عليها المجانيق والآلات‏.‏ثم أحس بامتناعها فأفرج عنها وانكفأ راجعًا‏.‏وتقبل عثمان بن يغمراسن مذهب أبيه في مداخلة ابن الأحمر والطاغية وأوفد رسله فلم يغن ذلك عنه شيئًا وكان مغراوة قد لحقوا بيوسف بن يعقوب على تلمسان فنالوا منها أعظم النيل‏.‏فلما أفرجوا عن تلمسان نهض عثمان إلى بلادهم فدوخها وغلبهم عليها وأنزل بها ابنه أبا حمو كما قدمناه‏.‏فلما كانت سنة خمس وتسعين نهض لميف بن يعقوب حركته الثانية فنازل ندرومة ثم ارتحل عنها إلى ناحية وهران‏.‏وأطاعه جبل كيذرة وتاسكدلت رباط عبد الحميد أن الفقيه أبي زيد اليزناسني ثم كر راجعاً إلى المغرب‏.‏وخرج عثمان بن يغمراسن فأثخن في تلك الجبال لطاعتهم عدوه واعتراضهم جنده واستباح رباط تاسكدلت‏.‏ثم غزاه يوسف بن يعقوب ثالثاً سنة ست وتسعين ورجع إلى المغرب‏.‏ثم أغزاه رابع سنة سبع وتسعين فنازل تلمسان وأحاط بها معسكره وشرعوا في البناء‏.‏ثم أفرج عنها لثلاثة أشهر ومر في طريقه بوجدة فأمر بتجديد بنائها وجمع الفعلة عليها‏.‏واستعمل أخاه أبا يحيى بن يعقوب على ذلك فأقام لشأنه ولحق يوسف بالمغرب‏.‏وكان بنو توجين قد نازلوا تلمسان مع يوسف بن يعقوب وتولى كبر ذلك منهم أولاد سلامة أمراء بني يدللتن منهم وأصحاب القلعة المنسوبة إليهم‏.‏فلما أفرج عنها خرج إليهم عثمان بن يغمراسن فدوخ بلادهم وحاصرها بالقلعة ونال منهم أضعاف ما نالوا منه‏.‏وطال مغيبه في بلادهم فخالفه أبو يحيى بن يعقوب إلى ندرومة فاقتحمها بعسكره بمداخلة من قائدها زكرياء بن يخلف بن المطغرى صاحب تاونت‏.‏فاستولى بنو مرين على ندرومة وتاونت‏.‏وجاء يوسف بن يعقوب على أثرها فوافاهم ودلفوا جميعاً إلى تلمسان‏.‏وبلغ الخبرإلى عثمان بمكانه من حصار القلعة فطوى المراحل إلى تلمسان فسبق إليها يوسف بن يعقوب ببعض يوم‏.‏ثم أشرفت طلائع بني مرين عشي ذلك اليوم فأناخوا بها في شعبان سنة ثمان وتسعين وأحاط العسكر من جميع جهاتها‏.‏وضرب يوسف بن يعقوب عليها سياجاً من الأسوار محيطاً بها وفتح فيه أبواباً مداخل لحربها واختط لنزله إلى جانب الأسوار مدينة سماها المنصورة‏.‏وأقام على ذلك سنين يغاديها بالقتال ويرواحها‏.‏وسرح عساكر لافتتاح أمصار المغرب الأوسط وثغوره فملك بلاد مغراوة وبلاد بني توجين كما ذكرناه في أخباره‏.‏وجثم هو بمكانه من حصار تلمسان لا يعدوها كالأسد الضاري على فريسته إلى أن هلك عثمان وهلك هو من بعده كما نذكره‏.‏وإلى الله المصير‏.‏

  الخبر عن مهلك عثمان بن يغمراسن وولاية ابنه أبي زيان وانتهاء الحصار من بعده إلى غايته

لما أناخ يوسف بن يعقوب بعسكره على تلمسان انحجر بها عثمان وقومه واستسلموا والحصار آخذ بمخنقهم‏.‏وهلك عثمان لخامسة السنين من حصارهم سط ثلاث وسبعماية وقام بالأمر من بعده ابنه أبو زيان محمد‏.‏أخبرني شيخنا العلامة محمد بن إبراهيم الأبلي وكان في صباه قهرمان دارهم قال‏:‏ هلك عثمان بن يغمراسن بالديماس وكان قد أعد لشربه لبناً‏.‏فلما أخد منه الديماس وعطش دعا بالقدح وشرب اللبن ونام فلم يكن بأوشك إن فاضت نفسه‏.‏وكنا نرى معشر الصنائع أنه داف فيه السم تفادياً من معرة غلب عدوهم إياهم قال‏:‏ وجاء الخادم إلى قعيدة بيته زوجه بنت السلطان أبي إسحاق ابن الأمير أبي زكرياء بن عبد الواحد بن أبي حفص صاحب تونس وأخبرها الخبر فجاءت ووقفت عليه واسترجعت وخيمت على الأبواب بسدادها‏.‏ثم بعثت عن ابنيه محمد أبي زيان وموسى أبي حموا فعزتهما عن أبيهما‏.‏وأحضر مشيخة بني عبد الواد وعرضوا لهم بمرض السلطان فقال أحدهم مستفهماً عن الشأن ومترجماً عن القوم‏:‏ السلطان معنا آنفاً ولم يمتد الزمن لوقوع المرض فإن يكن هلك فخبرونا فقال له أبو حمو‏:‏ وإذا هلك فما أنت صانع فقال‏:‏ إنما نخشى من مخالفتك وإلا فسلطاننا أخوك الأكبر أبو زيان‏.‏فقام أبو حمو من مكانه وأكب على يد أخيه يقبلها وأعطاه صفقة يمينه‏.‏واقتدى به المشيخة فانعقدت بيعته لوقته‏.‏واشتمل بنو عبد الواد على سلطانهم واجتمعوا إليه وبرزوا لقتال عدوهم على العادة فكأن عثمان لم يمت‏.‏وبلغ الخبرإلى يوسف بن يعقوب بمكانه من حصارهم فتفجع له وعجب من صرامة قومه من بعده‏.‏واستمر حصارله إياهم إلى تمام ثماني سنين وثلاثة أشهر من يوم نزوله نالهم فيها من الجهد والجوع ما لم ينل أمة من الأمم واضطروا إلى أكل الجيف والقطط والفيران حتى لزعموا أنهم أكلوا فيها أشلاء الموتى من الأناسي وخربوا السقف للوقود وغلت أسعار الأقوات والحبوب وسائر المرافق بما تجاوز حدود العرائد‏.‏وعجز وجدهم عنه فكان ثمن مكيال القمح الذي يسمونه البرشالة ويتبايعون به مقداره اثنتي عشر رطلاً ونصف مثقالين ونصف من الذهب العين وثمن الرأس الواحد من البقر ستين مثقالا ومن الضأن سبعة مثاقيل ونصف‏.‏وأثمان اللحمان من الجيف‏:‏ الرطل من لحم البغال والحمير بثمن المثقال ومن الخيل بعشرة دراهم صغار من سكتهم والرطل من الجلد البقري ميتة أو مذكى بثلاثين درهماً والهر الواحد بمثقال ونصف والكلب بمثله والفأر بعشرة دراهم والحية بمثله والدجاجة بستة عشر درهماً والبيض واحدة بستة عراهم والعصافير كذلك‏.‏والأوقية من الزيت باثنتي عشر درهماً ومن السمن بمثلها ومن الشحم بعشرين‏.‏ومن الفول بمثلها‏.‏ومن الملح بعشرة ومن الحطب كذلك‏.‏والأصل الواحد من الكرنب بثلاثة أثمان المثقال‏.‏ومن الخس بعشرين درهماً ومن اللفت بخمسة عشر درهماً‏.‏والواحدة من القثاء والفقوس بأربعين درهماً والخيار بثلاثة أثمان الدينار والبطيخ بثلاثين درهماً والحبة من التين ومن الإجاص بدرهمين واستهلك الناس أموالهم وموجودهم وضاقت أحوالهم‏.‏ واستفحل ملك يوسف بن يعقوب بمكانه من حصارها واتسعت خطة مدينة المنصورة المشيدة عليها‏.‏ورحل إليها التجار بالبضائع من الآفاق واستبحرت في العمران بما لم تبلغه مدينة وخطب الملوك سلمه ووده ووفدت عليه رسل الموحدين وهداياهم من تونس وبجاية وكذلك رسل صاحب مصر والشام وهديتهم واعتز اعتزازاً لا كفاء له كما يأتي في أخباره‏.‏وأنهك الجهد حامية بني يغمراسن وقبيلتهم وأشرفوا على الهلاك فاعتزموا على الإلقاء باليد والخروج بهم للاستماتة فكيف الله لهم الصنع الغريب‏.‏ونفس عن مخنقهم بمهلك السلطان يوسف بن يعقوب على يد خصي من العبدي أسخطته بعض النزعات الملوكية فاعتمده في كسر بيته ومخدع نومه وطعنه بخنجر قطع أمعاءه وأدرك فسيق إلى وزرائه ومزقوا أشلاءه فلم يبوء وأذهب الله العناءة عن آل زيان وقومهم وساكني مدينتهم فكأنما نشروا من الأجداث‏.‏وكتبوا لها في سكتهم ما أقرب فرج الله استغراباً لحادثتها‏.‏حدثني شيخنا محمد بن إبراهيم الأبلي قال‏:‏ جلس السلطان أبو زيان صبيحة يوم ذلك الفرج وهو يوم الأربعاء في خلوة من زوايا قصره واستدعى ابن حجاف خازن الزرع فسأله كم بقي من الأهراء والمطامير المختومة فقال له‏:‏ إنما بقي عولة اليوم وغد‏!‏ فاستوصاه بكتمانها‏.‏وبينما هم في ذلك دخل عليه أخوه أبو حمو فأخبره فوجم لها وجلسوا سكوتاً لا ينطقون وإذا بالخادم دعد قهرمانة القصر من وصايف بنت السلطان أبي إسحاق حظية أبيهم خرجت من القصر إليهم فوقفت وحيتهم تحيتها وقالت‏:‏ تقول لكم حظايا قصركم وبنات زيان حرمكم ما لنا وللبقاء وقد أحيط بكم وأسف لالتهامكم عدوكم ولم يبق إلا فواق بكيئة لمصارعكم فأريحونا من معرة السبي وأريحوا فينا أنفسكم وقربونا إلى مهالكنا‏.‏فالحياة في الذل عذاب والوجود بعدكم عدم‏.‏فالتفت أبو حمو إلى أخيه وكان من الشفقة بمكان وقال‏:‏ لقد صدقتك الخبر فما تنتظر فيهم‏.‏فقال‏:‏ يا موسى‏!‏ أرجئني ثلاثاً لعل الله يجعل بعد عسر يسراً ولا تشاورني بعدها فيهن بل سرح اليهود والنصارى إلى قتلهن وتعال إلي نخرج مع قومنا إلى عدونا فنستميت ويقضي الله ما شاء‏.‏فغضب له أبو حمو ونكر الإرجاء في ذلك وقال‏:‏ إنا نحن والله نتربص المعرة بهن وبأنفسنا وقام عنه مغضباً وجهش السلطان أبو زيان بالبكاء‏.‏قال ابن حجاف‏:‏ وأنا بمكاني‏.‏بين يديه واجم لا أملك متأخراً ولا متقدماً إلى أن غلب عليه النوم فما راعني إلا حرسي الباب يشير إلي أن إذن السلطان بمكان رسول من معسكر بني مرين بسدة القصر فلم أطق أرجع جوابه إلا بالإشارة‏.‏وانتبه السلطان من خفيف إشارتنا فزعاً فأذنته واستدعاه‏.‏فلما وقف بين يديه قال له‏:‏ إن يوسف بن يعقوب هلك الساعة وأنا رسول حافده أي ثابت إليكم‏.‏فاستبشر السلطان واستدعى أخاه وقومه حتى أبلغ الرسول رسالته بمسمع منهم وكانت إحدى المقربات في الأنام‏.‏وكان من خبر هذه الرسالة أن يوسف بن يعقوب لما هلك تطاول للأمر الأعياص من إخوته وولده وحفدته وتحيز أبو ثابت حافده إلى بني ورتاجن لخؤلة كانت له فيهم فاستجاش بهم واعصوصبوا عليه‏.‏وبعث إلى أولاد عثمان بن يغمراسن أن يعطوه الآلة ويكونوا مفزعاً له ومأمنا إن أخفق مسعاه‏.‏على أنه إن تم أمر وقوض عنهم معسكر بني مرين فعاقدوه عليها‏.‏ووفى لهم لما تم أمره ونزل لهم عن جميع الأعمال التي كان يوسف بن يعقوب استولى عليها من بلادهم‏.‏وجأجأ بجميع الكتائب التي أنزلها في ثغورهم وقفلوا إلى أعمالهم بالمغرب الأقصى‏.‏واستمكن السلطان أبو زيان من ثغور المغرب الأوسط كلها إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏كان من أول ما افتتح به السلطان أبو زيان أمره بعد الخروج من هوة الحصار وتناوله الأعمال من أيدي بني مرين أن نهض من تلمسان ومعه أخوه أبو حمو آخر ذي من سنة ست وسبعماية‏.‏فقصد بلاد مغراوة وشرد من كان هنالك منهم في طاعة بني مرين واحتاز الثغور من أيدي عمالهم ودوخ قاصيتها‏.‏ثم عقد عليها لمسامح مولاه ورجع عنها‏.‏ونهض إلى السرسو وكان العرب قد تملكوه أيام الحصار وغلبوا زناتة عليه من سويد والديالم ومن إليهم من بني يعقوب بن عامر فأجفلوا أمامه‏.‏واتبع آثارهم إلى أن أوقع بهم وانكفأ راجعاً‏.‏ومر ببلاد بني توجين فاقتضى طاعة من كان بقي بالجبل من بني عبد القوي والحشم فأطاعوه ورياستهم يومئذ لمحمد بن عطية الأصم من بني عبد القوي‏.‏وقفل إلى تلمسان لتسعه أشهر من خروجه وقد ثقف أطراف ملكه ومسخ أعطاف دولته‏.‏فنظر في إصلاح قصوره ورياضه ورم ما تثلم من بلده‏.‏وأصابه المرض خلال ذلك فاشتد وجعه سبعاً ثم هلك أخريات شوال من سنة سبع‏.‏والبقا لله وحده‏.‏

  الخبر عن محو الدعوة الحفصية من منابر تلمسان

كانت الدعوة الحفصية بإفريقية قد انقسمت بين أعياصهم في تونس وبجاية وأعمالها وكان التخم بينها بلد عجيسة ووشتاتة وكان الخليفة بتونس الأمير أبوحفص ابن الأمير أبي زكرياء الأول منهم وله الشفوف على صاحب بجاية والثغور الغربية بالحضرة‏.‏فكانت بيعة بني زيان له ودعاؤهم على منابرهم باسمه وكانت لهم مع المولى الأمير أبي زكرياء الأوسط صاحب بجاية وصلة لمكان الصهر بينهم وبينه وكانت الوحشة قد اعترضت ذلك عندما نازل عثمان بجاية كما قدمناه‏.‏ثم تراجعوا إلى وصلتهم واستمروا عليها إلى أن نازل يوسف بن يعقوب تلمسان والبيعة يومئذ للخليفة بتولس السلطان أبي عصيدة بن الواثق والدعوة على منابر تلمسان باسمه وهو حاقد عليهم ولايتهم للأمير أبي زكرياء الأوسط صاحب الثغر‏.‏فلما نزل يوسف بن يعقوب على تلمسان وبعث عساكره في قاصية المشرق واستجاش عثمان بن يغمراسن بضاحية بجاية فسرح عسكراً من الموحدين لمدافعتهم عن تلك القاصية‏.‏والتقوا معهم بجبل الزان فانكشف الموحدون بعد معترك صعب واستلحمهم بنو مرين‏.‏ويسمى المعترك لهذا العهد بمرسى الرؤوس لكثرة ما تساقط في ذلك المجال من الرؤوس واستحكمت المنافرة لذلك بين يوسف بن يعقوب وصاحب بجاية فأوفد الخليفة بتونس على يوسف بن يعقوب مشيخة الموحدين تجديداً لوصلة سلفهم مع سلفه وإغراء بصاحب بجاية وعمله‏.‏فساء موقع ذلك من عثمان بن يغمراسن وأحفظه موالاة الخليفة لعدوه فعطل منابره من ذكره وأخرج قومه وإيالته عن دعوته‏.‏وكان ذلك دولة أبي حمو الأوسط

  الخبر عن دولة أبي حمو الأوسط موسي بن عثمان وما كان فيها الأحداث

لما هلك الأمير أبو زيان قام بالأمر من بعده أخوه السلطان أبو حمو في أخريات سنة سبع كما قدمناه وكان صارماً يقظاً حازماً داهية قوى الشكيمة صعب العريكة شرس الأخلاق مفرط الذكاء والحدة وهو أول ملوك زناتة‏.‏رتب مراسم الملك وهذب قواعده وأرهف لذلك لأهل ملكه حده وقلب لهم مجن بأسة حتى دلوا لعز الملك وتأدبوا بآداب السلطان‏.‏سمعت عريف بن يحيى أمير سويد من زغبة وشيغ المجالس الملوكية زناتة يقول ويعنيه‏:‏ موسى بن عثمان هو معلم السياسة الملوكية لزناتة وإنما كانوا رؤساء بادية حتى قام فيهم موسى بن عثمان فحد حدودها وهذب مراسمها‏.‏ولقن عنه ذلك أقتاله وأنظاره منهم فتقبلوا مذهبه واقتدوا بتعليمه‏.‏انتهى كلامه‏.‏ولما استقل بالأمر افتتح شأنه بعقد السلم مع سلطان بني مرين لأول دولته فأوفد كبراء دولته على السلطان أبي ثابت وعقد له السلم كما رضي‏.‏ثم صرف وجهه إلى بني توجين مغراوة فردد إليهم العساكر حتى دوخ بلادهم وذلل صعابهم‏.‏وشرد محمد بن عطيه الأصم عن نواحي وانشريش وراشد بن محمد عن نواحي شلف وكان قد لحق بها بعد مهلك يوسف بن يعقوب فأزاحه عنها‏.‏واستولى على العملين واستعمل عليها وقفل إلى ثلمسان‏.‏ثم خرج سنة عشر في عساكره إلى بلاد بني توجين ونزل تافركنيت وسط بلادهم‏.‏فشرد الفل من أعقاب محمد بن عبد القوي عن وانشريش واحتاز رياستهم في بني توجين دونهم‏.‏وأدال منهم بالحشم وبني تيغرين‏.‏وعقد لكبيرهم يحيى بن عطية على رياسة قومه في جبل وانشريش وعقد ليوسف بن حسن من أولاد عزيز على المدية وأعمالها وعقد لسعد من بني سلامة بن علي على قومه بني يدللتن إحدى بطون بني توجين وأهل الناحية الغربية من عملهم‏.‏وأخذ من سائر بطون بني توجين الرهن على الطاعة والجباية واستعمل عليهم جميعاً من صنائعه قائده يوسف بن حبون الهواري وأذن له في اتخاذ الآلة‏.‏وعقد لمولاه مسامح على بلاد مغراوة‏.‏وأذن له أيضاً في اتخاذ الآلة‏.‏وعقد لمحمد ابن عمه يوسف على مليانة وأنزله بها وقفل إلى تلمسان‏.‏والله أعلم‏.‏

  الخبر عن استنزال زيرم بن حماد بن ثغر برشك

وما كان من قتله كان هذا الغمر من مشيخة هذا المصر لوفور عشيره من مكلاته داخله وخارجه واسمه زيري بالياء فتصرفت فيه العامة وصار زيرم بالميم‏.‏ولما غلب يغمراسن على بلاد مغراوة دخل أهل هذا المصر في طاعته‏.‏حتى إذا هلك حدثت هذا الغمر نفسه بالانتزاء والاستبداد بملك برشك ما بين مغراوة وبني عبد الواد ومدافعة بعضهم ببعض‏.‏فاعتزم على ذلك وأمضاه وضبط برشك لنفسه سنة ثلاث وثمانين‏.‏ونهض إليه عثمان بن يغمراسن سنة أربع بعدها ونازله فامتنع‏.‏ثم زحف سنة ثلاث وتسعين إلى مغراوة فلجأ ثابت بن منديل إلى برشك وحاصره عثمان بها أربعين يوماً‏.‏ثم ركب البحر إلى المغرب كما قلناه وأخذ زيرم بعده بطاعة عثمان بن يغمراسن دافعه بها وانتقض عليه مرجعه إلى تلمسان‏.‏وشغل بنو زيان بعدها بما دهمهم من شأن الحصار فاسبتد زيرم هذا ببرشك واستفحل شأنه بها‏.‏واتقى بني مرين عند غلبهم على أعمال مغراوة وتردد عساكرهم فيها بإخلاص الطاعة والانقياد‏.‏فلما انقشع إيالة بني مرين بمهلك يوسف بن يعقوب وخرج بنو عثمان بن يغمراسن من الحصار رجع إلى ديدنه من التمريض في الطاعة ومقاولة طرفها على البعد‏.‏حتى إذا غلب أبو حمو على بلاد مغراوة وتجاوزت طاعته هذا المصر إلى ما وراءه خشيه زيري على نفسه وخطب منه الأمان على أن ينزل له عن المصر‏.‏فبعث إليه صاحب الفتيا بدولته أبا زيد عبد الرحمن بن محمد الإمام كان أبوه من أهل برش وكان زيري قد قتله لأول ثورته غيلة‏.‏وفر ابنه عبد الرحمن هذا وأخوه عيسى ولحقا بتونس فقرآ بها ورجعا إلى الجزائر فأوطناها‏.‏ثم انتقلا إلى مليانة واسنعملهما بنو مرين في خطة القضاء بمليانة‏.‏ثم وفدا بعد مهلك يوسف بن يعقوب على أبي زيان وأبي حمو مع عمال بني مرين وقوادهم بمليانة‏.‏وكان فيهم منديل بن محمد الكناني صاحب أشغالهم المذكور في أخبارهم‏.‏وكانا يقرئان ولده محمد فأشاد على أبي زيان وأبي حمو بمكانهم من العلم ووقع ذلك من أبي حمو أبلغ المواقع حتى إذا استقل بالأمر ابتنى المدرسة بناحية المطمر من تلمسان لطلب العلم‏.‏وابتنى لهما دارين عن جانبيها وجعل لهما التدريس فيها في إيوانين معدين لذلك‏.‏واختصهما بالفتيا والشورى فكانت لهما في دولته قدم عالية‏.‏فلما طلب زيري هذا الأمان من أبي حمو وأن يبعث إليه من يأمن معه في الوصول في بابه بعث إليه أبا زيد عبد الرحمن الأكبر منهما فنهض لذلك بعد أن استأذنه أن يثأر منه بأبيه إن قدر عليه فأذن له‏.‏فلما احتل ببرشك أقام بها أياماً يناديه فيها زيري ويراوحه بمكان نزله وهو يعمل الحيلة في اغتياله حتى أمكنته‏.‏فقتله في بعض تلك لأيام سنة ثمان وسبعماية وصار أمر برشك إلى السلطان أبي حمو وانمحى منها أثر المشيخة والاستبداد‏.‏والأمور بيد الله سبحانه‏.‏